محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
191
الآداب الشرعية والمنح المرعية
ولو قعدت أتاني الرزق في دعة * إن القنوع الغنى لا كثرة المال خرج الشافعي رضي اللّه عنه في بعض أسفاره فضمه الليل إلى مسجد فبات فيه وإذا في المسجد أقوام عوام يتحدثون بضروب من الخنا وهجر المنطق فتمثل فقال : وأنزلني طول النوى دار غربة * إذا شئت لاقيت امرءا لا أشاكله وقال شريك بن عبد اللّه كان يقال : أنجى الناس من البلايا والفتن من انتقل من بلد إلى بلد . وقال يعقوب : سمعت أحمد وسئل عن التوكل فقال : هو قطع الاستشراف بالإياس من الخلق ، فقيل له : ما الحجة ؟ قال إبراهيم لما وضع في المنجنيق ثم طرح إلى النار فاعترضه جبريل عليهما السّلام فقال : يا إبراهيم لك حاجة ؟ قال : أما إليك فلا ، فقال له سل من لك إليه حاجة ، فقال : أحب الأمرين إليه أحبهما إلي . ومراده - واللّه أعلم - أن هذا وإن قدح في التوكل الكامل فلا يقدح في التوكل الواجب ولهذا قال في رواية عبد اللّه السابقة : الاستغناء عن الناس بطلب العمل أعجب إلينا من الجلوس وانتظار ما في أيدي الناس ، ولهذا يذكر الأصحاب كراهة الحج لمن حج بلا زاد ولا راحلة يسأل الناس . وذكروا قول الإمام أحمد - وسئل عمن يدخل البادية بلا زاد ولا راحلة فقال : لا أحب له ذلك هذا يتوكل على أزواد الناس . وظهر مما سبق أن من توكل توكلا صادقا فلم تستشرف نفسه إلى مخلوق وترك السبب واثقا بوعد اللّه إنه خلاف السنة وهل يأثم ؟ على روايتين واللّه أعلم . وسبق في الفصل قبله كلام القاضي . وقال ابن الجوزي قيل لأحمد : ما تقول في رجل جلس في بيته أو مسجده وقال لا أعمل شيئا حتى يأتي رزقي ؟ فقال أحمد : هذا رجل جهل العلم أما سمع قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : " إن اللّه جعل رزقي تحت ظل رمحي " " 1 " ؟ وقال حين ذكر الطير : " تغدو خماصا وتروح بطانا " " 2 " وكان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يتجرون في البر والبحر ويعملون في نخلهم والقدوة بهم ، وقال أبو سليمان الداراني رحمه اللّه ليس العبادة عندنا أن تصف قدميك وغيرك يتعب لك ولكن إبدأ برغيفك فاحرزهما ثم تعبد . وروي أن لقمان الحكيم عليه السّلام قال لابنه : يا بني استعن بالكسب الحلال فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال : رقة في دينه وضعف في عقله وذهاب مروءته ، وأعظم من ذلك استخفاف الناس به . وسئل الإمام أحمد ما يلين القلب ؟ فقال
--> ( 1 ) رواه البخاري معلقا . ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه ( 12 / 351 ) قلت : وعزاه الحافظ الهيثمي في المجمع للطبراني . وقال : وفيه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان وثقه ابن المديني وأبو حاتم وغيرهما وضعفه أحمد وغيره وبقية رجاله ثقات . ( 2 ) تقدم تخريجه .